الشيخ أحمد فريد المزيدي
260
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
المقدسة بإقامة القدرة النافذة والمشيئة التامة ، الآن كان إذ كان قبل أن يكون ؛ وهذا غاية حقيقة توحيد الموحد للواحد بذهابه هو « 1 » . باب الإيمان سئل الجنيد عن الإيمان ما هو ؟ فقال : الإيمان هو التصديق والإيقان ، وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان ؛ لأن المخبر لي بما غاب عنّي إن كان عندي صادقا لا يعارضني في صدقه ريب ولا شكّ أوجب عليّ تصديقي إياه إن ثبت لي العلم بما أخبر به ، ومن تأكيد حقيقة ذلك أن يكون تصديق الصادق عندي يوجب عليّ أن يكون ما أخبرني به كأنّي له معاين ، وذلك صفة قوة الصدق في التصدّق وقوة الإيقان الموجب لاسم الإيمان . وقد روي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال لرجل : « اعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك « 2 » » . فأمره بحالتين : إحداهما أقوى من الأخرى ؛ لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به ، وحقيقة التصديق له أقوى من أن أكون أعلم أن ذلك يراني ، وإن كان علمي بأنه يراني حقيقة علم موجبة للتصديق ، والمعنى الأول أولى وأقوى ، والفضل بجمعهما على تقديم إحداهما على الأخرى « 3 » . قال أبو القاسم البغدادي : الإيمان هو الذي يجمعك إلى اللّه ، ويجمعك باللّه والحق واحد ، والمؤمن متوحّد ، ومن وافق الأشياء فرّقته الأهواء ، ومن تفرّق عن اللّه بهواه وتبع شهوته وما يهواه فاته الحق ، ألا ترى أنه تعالى أمرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظرة ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 136 ] « 4 » . سئل الجنيد ما الإيمان ؟ فقال : هذا سؤال لا حقيقة له ، ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم ، وإنما هو الإيمان باللّه جلّ ثناؤه مجرّدا ، وحقيقته في القلوب مفردا ، وإنما هو ما وقر في القلب من العلم باللّه والتصديق بما أخبر من أموره في سائر سماواته وأرضه ، مما ثبت في الإيقان ، وإن لم أره بالعيان ، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق ، وللإيقان إيقان ، وإنما
--> ( 1 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 55 ، 57 ) ، من المخطوطتين ( 226 - 227 ) ، ( 65 / أ ، ب ) . ( 2 ) حديث صحيح : رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) . ( 3 ) انظر : حلية الأولياء ( 10 / 265 ) . ( 4 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 100 ) .